زكريا القزويني
123
عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات
أن نبرح عنها ، فأتى قوم وجوههم كوجوه الكلاب ، وسائر أبدانهم كأبدان الناس ، فسبق إلينا واحد منهم بعصا ، ووقف الآخرون فساقنا إلى منازلهم ، فرأينا هناك الجماجم والسيقان وأذرع الناس ، فأدخلونا بيتا فيه إنسان ، فجعلوا يأتوننا بالفواكه والمأكول فقال ذلك الرجل : يطعمونكم لتسمنوا ومن سمن منكم أكلوه . قال : فكنت أقلل المأكل حتى لا أسمن ، وكل من سمن من أصحابي أكلوه ، حتى بقيت أنا وذلك الرجل ؛ لأني كنت هزيلا والرجل عليلا ، فقال ذلك الرجل : إنهم قد حضر لهم عيد يخرجون كلهم إليه ثلاثة أيام ، فإن أردت النجاة فانج بنفسك ، وأما أنا فقد ذهبت رجلاي لا يمكنني الهرب ، واعلم أنهم أسرع شيء طلبا وأشد استنشاقا وأعرف بالأثر ، إلا من دخل تحت شجرة كذا ، فإنهم لا يطلبونه ولا يقدرون عليه . قال : فكنت أسير ليلا وأكمن نهارا ، فلما رجعوا وتفقدوني جعلوا يقصون أثري فأدركوني وكنت تحت الشجرة ، فانقطعوا عني ، فلما أمنت منهم جعلت أسير في تلك الجزيرة ، إذا رفعت لي أشجار كثيرة فانتهيت إليها ، فإذا بها من كل الفواكه ، وتحتها رجال أحسن صورة ، فقعدت إليهم لا أفهم كلامهم ولا يفهمون كلامي ، فبينا أنا جالس معهم إذ دنا إليّ واحد منهم ووضع يده على عاتقي ، فإذا هو جالس على رقبتي ثم لوى رجليه علي فأنهضني فجعلت أعالجه لأطرحه عن رقبتي ، فخمشني في وجهي وسخرني كما يسخر أحدكم مركوبه ، فجعلت أدور على الأشجار وهو يقطع ثمارها ويرمي بها أصحابه وهم يضحكون . فبينا أسير به في وسط الأشجار إذا أصاب عينيه بعض عيدان الأشجار فعمي ، فعصرت له شيئا من العنب ، ثم قلت له : اكرع فكرع ، فتحللت رجلاه ، فرميته وبقي أثر الخموش في وجهي ، واللّه الموفق . 56 فصل : في حيوان هذا البحر ( منها المنشار ) قال بعض التجار : إنها سمكة مثل الجبل العظيم ، ومن رأسها إلى ذنبها مثل أسنان المنشار من عظام سود مثل الأبنوس ، كل سن منها في رؤية العين مقدار ذراعين ، وعن رأسها عظمان طويلان ، كل عظم مقدار عشرة أذرع ، وكانت تضرب بالعظمين البحر يمينا وشمالا ، فيسمع صوته صوتا هزيلا « 1 » .
--> ( 1 ) إن هذا المخلوق حقا من عجائب المخلوقات .